الخميس، 28 يوليو 2011




كلمة بمناسبة استقبال شهر رمضان

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين.
مِن محمد الصالح العثيمين إلى من يبلغه مِن عباد الله المؤمنين، سلك الله بنا وبهم طريق الهداية والصواب آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإنَّه بمناسبة استقبال شهر رمضان أُقدِّم لإخواني هذه الكلمة راجيًا مِن الله تعالى أنْ يجعل عملنا جميعًا خالصًا لوجهه، وتابعًا لما جاء به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فنقول مستعينين بالله:
1- لا شكَّ أنَّ مِن نعمة الله على عباده أنْ منَّ عليهم بهذا الشَّهر الكريم، الذي جعله موسمًا للخيرات، ومغتنمًا لاكتساب الأعمال الصالحات، وأنعم عليهم فيه بنعم سابقة، ونعم مستمرة دائمة؛ ففي هذا الشَّهر: أنزل الله القرآن هدًى للنَّاسِ، وبيِّناتٍ مِن الهُدى والفُرقان.
وفي هذا الشهر حصلت غزوة بدر الكبرى، التي أعزَّ الله فيها الإسلام وأهله، وخذل فيها الشَّرك وأهله، وسُمِّيَ يومها: "يوم الفرقان".
وفي هذا الشهر حصل الفتح الأعظم؛ الذي طهَّر الله فيه البيت الحرام من الأوثان، ودخل الناس بعده في دين الله أفواجًا.
وفي هذا الشهر أُعطِيت أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم خمس خصال لم تعطهنَّ أمَّة مِن الأمم قبلهم: خَلوف فم الصَّائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويُزيِّين الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: «لا، ولكن العامل إنَّما يُوفَّى أجره إذا قضى عمله».[1]
ومن صام هذا الشهر إيمانًا بالله واحتسابًا لما عند الله؛ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه.
2- هذه التراويح التي نصلِّيها من قيام رمضان، وفي قيام رمضان إيمانًا واحتسابًا ما سبق من الأجر، وقد ورد عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» وهذه نعمة كبرى لا ينبغي للمؤمن أن يتركها؛ بل ينبغي له أن يثابر عليها، ويحافظ على التراويح مع الإمام من أولها إلى آخرها.
وكثير مِن النَّاس يضيعون قيامهم مع الإمام بالتَّجوُّلِ في المساجد، فيصلون في هذا المسجد تسليمة أو تسليمتين، وفي المسجد الثَّاني كذلك، فيفوتهم القيام مع الإمام حتى ينصرف، ويحرمون أنفسهم هذا الخير الكثير وهو قيام الليلة، والأولى للإنسان إذا كان يحب أنْ يتخيَّر مِن المساجد أن يذهب إلى المسجد الذي يريد من أول الأمر، ويبقى فيه حتى ينصرف الإمام.
3- كثير من إخواننا أئمة المساجد يُسرِعون في التَّراويح في الرُّكوع والسجود إسراعًا عظيمًا، يخلُّ بالصلاة ويشقُّ على الضعفاء من المأمومين، وربما أسرع بعضهم إسراعًا يخلُّ بالطُّمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة، ولا صلاة بلا طمأنينة، وإذا لم يخلّ بالطُّمأنينة فإنَّه يخلُّ بمتابعة المأمومين؛ إذ لا يمكنهم المتابعة التامَّة مع هذه السُّرعة، وقد قال أهل العلم  -رحمهم الله-: «إنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يُسنُّ»، فكيف وهي قد تمنعه فعل ما يجب؟!
فنصِيحتي لهؤلاء الأئمَّة: أن يتقوا الله -تعالى- في أنفسهم، وفيمن خلْفَهم مِن المسلمين، وأنْ يؤدُّوا تراويحهم بطمأنينة، وأنْ يعلموا أنَّهم في صلاتهم بين يدي مولاهم يتقرَّبون إليه بتلاوة كلامه، وتكبيره وتعظيمه والثَّناء عليه ودعائه بما يحبون مِن خيرَي الدنيا والآخرة، وهم على خير إذا زاد الوقت عليهم ربع ساعة أو نحوها، والأمر يسير ولله الحمد.
4- أوجب الله الصِّيام أداء على كلِّ مُسلِمٍ، مُكلَّف، قَادر، مُقِيم.
فأمَّا الصَّغير الذي لم يبلُغ؛ فإنَّ الصِّيام لا يجب عليه؛ لقولِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر «الصَّبي حتى يبلغ».
ولكنْ يجب على وليِّه أنْ يأمره بالصِّيام إذا بلغ حدًّا يطيق الصِّيام فيه؛ لأنَّ ذلك مِن تأدِيبِهِ وتمرينِهِ على فعل أركان الإسلام.
ونرى بعض النَّاس ربما يترك أولاده فلا يأمرهم بصلاة ولا صوم؛ وهذا غلط؛ فإنَّه مسئول عن ذلك بين يدي الله -تبارك وتعالى-، وهم يزعمون أنَّهم لا يُصَوِّمون أولادهم شفقة عليهم ورحمة بهم.
والحقيقة أنَّ الشَّفيق على أولاده والرَّاحم لهم هو مَنْ يُمرِّنُهم على خصال الخير وفعل البر، لا من يترك تأدِيبهم وتربيتِهم تربية نافعة.
وأمَّا المجنون ومن زال عقله بهرم أو نحوه؛ فإنَّهم لا صيام عليهم، ولا إطعام؛ لعدم العقل عندهم.
وأمَّا العاجز عن الصِّيام؛ فإنْ كان يرجو زوال عجزه؛ كالمريض الذي يرجو الشَّفاء، فإنَّه ينتظر حتى يعافيه الله، ثمَّ يقضِي ما فاته؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وأمَّا العاجز الذي لا يرجو زوال عجزِهِ؛ كالكبير والمريض الآيس مِن البرء؛ فهذا ليس عليه صيام؛ وإنما الواجب عليه أن يُطعِم عن كل يومٍ مسكينًا؛ وهو بالخيار: إن شاء صنع طعامًا، ودعا إليه فقراء بعدد أيام الشهر، وإنْ شاء أعطى كل فقير خمس صاع من البر.
والمرأة الحائض والنُّفساء لا تصوم، وتقضي بعد الطُّهر بعدد الأيام التي أفطرت، وإذا حصل الحيض أو النّفاس في أثناء يوم الصِّيام بطل الصوم، ووجب عليها قضاء ذلك اليوم الذي حدث فيه الحيض أو النفاس، كما أنه إذا انقطع الدم في أثناء نهار رمضان وجب عليها أن تمسك بقية يومها، ولا تحتسب به؛ بل تقضي بدله.
والمسافر مُخيَّر إن شاء صام وإن شاء أفطر، إلا أنْ يشقَّ عليه الصِّيام؛ فإنَّه يُفطِر، ويُكره له الصِّيام؛ لأنَّ في ذلك رغبة عن رخصة الرَّحيم الكريم، وزهدًا فيها.
وإن كان الصِّيامُ لا يشقُّ عليه ولا يفوِّت حاجته؛ فالصوم أفضل؛ لما في الصحيحين من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حرٍّ شديد؛ حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.
5- المفطرات هي:
1- الأكل والشُّرب: من أي نوع كان المأكول أو المشروب.
وبمعنى الأكل والشرب الحقن؛ أي: الإبر التي يكون فيها تغذية للجسم، أو تكسبه ما يكسبه الطَّعام من القُّوة؛ فهذه تُفطِر، ولا يجوز استعمالها للمريض؛ إلا حيث يجوز له الفطر؛ مثل أن يضطر إلى استعمالها نهارًا؛ فهذا يجوز له استعمالها ويُفطِر، ويقضي بدل الأيام التي استعملها فيها.
وأمَّا الإبر التي ليست كذلك مثل إبر البنسلين فهذه لا تُفطِر؛ لأنَّها ليست طعامًا ولا شرابًا، لا لفظًا، ولا معنى؛ لكن على كل حال الأحوط للإنسان تركها في الصيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
2- الجماع: وهو من كبائر الذنوب للصائم في نهار رمضان؛ وفيه الكفارة المغلظة: عتق رقبة، فإن لم يجد رقبة بأن كان ليس له مال، أو له مال ولكن لا يوجد رقيق بوجه شرعي؛ فإنَّه يصوم شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع وجب عليه إطعام ستين مسكينًا (وتقدَّم كيفية الإطعام).
3- الإنزال؛ أي: إنزال المني بفعل الصائم؛ مثل أن يقبّل زوجته فيمني فإنه يفسد صومه، وأمَّا إذا كان الإنزال بغير فعله مثل أن يحتلم فينزل؛ فإن صيامه لا يبطل؛ لأنَّ ذلك بغير اختياره، ويحرُم على الصائم أن يباشر مباشرة يخشى من فساد صومه بها، فلا يجوز أن يقبِّل زوجته أو يلمسها مثلاً، إذا كان يظنُّ أن ينزل منيه بسبب ذلك؛ لأنَّ فيه تعريضًا لصيامه للفساد.
4- الحجامة: فيفطر الحاجم والمحجوم؛ لحديث رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه الترمذي وأحمد وقال: هو أصح شيء في هذا الباب، وصححه ابن حبان والحاكم، وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس مثله.
فأمَّا خروج الدم بالجرح، أو قلع الضرس، أو الرعاف أو نحوه فإنَّه لا يُفطِر الصَّائم.
5- القيء: إذا استقاء فقاء؛ فأمَّا إنْ غلبه القيء بغير اختياره فإنَّه لا يُفطِر، ولا يُفطِر الصَّائِم إن فعل شيئًا من هذه المفطرات جاهلاً أو ناسيًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾. وقال: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنِّسيان وما استُكرِهوا عليه». وقال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه».
وثبت في صحيح البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: "أفطرنا يومًا من رمضان في غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس" ولم ينقل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقضاء؛ ومثل ذلك إذا أكل يظنُّ أن الفجر لم يطلع فتبين أنَّه طالع، فصومه صحيح، ولا قضاء عليه.
ويجوز للصائم أنْ يتطيَّب بما شاء من الطِّيب من بخور أو غيره، ولا يُفطِر بذلك.
ويجوز للصائم أيضًا أنْ يُداوي عينه بما شاء من قطور أو ذرور، ولا يُفطِر بذلك.
والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مجموع فتاوى ورسائل بن عثيمين (19 / 6)


[1] رواه أحمد، وغيره، وضعَّفه الألبانيُّ –رحم الله الجميع- في ضعيف الترغيب والترهيب: 586.



--


۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩ فوائــــد: ۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩
**ما سعى العبد في إصلاح شيء أعظم من سعيه في  إصلاح قلبه  ولن يصلح القلب شيء مثل  القرآن **- قال ابن الحاج في المدخلمن كان في نفسه شيء -  فهو عند الله لاشيء-
<<
قال ابن رجب رحمه الله :"خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنه للعبد لا يطلع عليها الناس".>>
(إن من هو في البحر على لوح ليس بأحوج إلى الله وإلى لطفه ممن هو في بيته بين أهله وماله،
فاعتمد على الله اعتماد الغريق الذي لا يعلم سببا لنجاته غير الله.)
 قال الحسن البصري رحمه الله:( إنّ جورَ الملوك نقمة من نقم الله تعالى،
 و نقم الله لا تلاقى بالسيوف، و إنما تُتقى و تستدفع بالدعاء و التوبة و الإنابة و الإقلاع عن الذنوب،
 إنّ نقمَ الله متى لقيت بالسيوف كانت هي أقطع )

--
۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩

ঔღঔ

لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك  في مجموعة "۝ مفكرة ۞ركــــ اهل العلم ـــــاب۞۝".

ঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔ

لإرسال رسالة إلى هذه المجموعة، قم بإرسال بريد إلكتروني إلى alrekab-@googlegroups.com

ঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔঔ

لأمور هامة متعلقة بالمجموعة هذا مسنجر إدارة المجموعة ( 7adi.alrakb@gmail.com)

ঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔঔღঔঔ

لخيارات أكثر، الرجاء زيارة المجموعة على http://groups.google.com/group/alrekab-?hl=ar

۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩۞۩

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.