الخميس، 17 يناير 2013







بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

يبقى القرآن الكريم العظيم؛ الذكر المبارك؛ أعظم الكتب, فهو حق؛ قول الحق سبحانه وتعالى, فيه كل علم, تنزيل من عزيز حكيم , فيه الدقة المتناهية لعلم الغيب مما مضى من أخبار الأقوام السابقة, والحاضر ومما سنستقبله؛
 أنزله الله تعالى لنتدبر آياته ونفهمها ونعيشها واقعا في حياتنا , ذكر لنا فيه قصص السابقين لنعتبر ونحذر مما وقعوا فيه؛ قال تعالى: 
((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) يوسف111
لا ينتفع به وبما جاء فيه إلا من عرف ربه فاستقر في قلبه تصديقا راسخا به وبكلحرف من كتابه , فنظر بقلب ناظر للغيبيات مصدقا بها وكأنه يراها بعينيه.
هاهي بقايا وآثار مساكن الكافرين مذكورة في كتاب الله العظيم، لا يغفل عنها إلا أصحاب القلوب المعرضة، لا تزال بعضها شاهدة شاخصة يراها أولوا الألباب، ويقر بها أولوا الأبصار, ترك الله عَزَّ وَجَلَّ لنا فيها شواهد حسية مرئية، وشواهد منقولة بالتواتر تاريخياً، مكتوبة أو محفوظة تدل عَلَى أن له أنبياء، وأن هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاء قد بعثوا إِلَى أقوامهم فمن آمن منهم نجى، ومن كفر من أقوامهم فإنه يهلك بأنواع من الهلاك , وقد نهانا 
النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نجلس في مساكنهم , وإن مررنا بها لانمر إلا ونحن مستعبرين؛ باكين أو متباكين.   
والله سبحانه وتعالى أمرنا بالسير والاعتبار:
 (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ* ) (آل عمران:137)
{فَسِيرُوا} } فعل أمر من السير وهو المشي، والمراد به هنا سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكير، أن يتفكر الإنسان في الأمم السابقة عليه زمناً، وكذلك يتفكر في الأمم السابقة عليه مكاناً.   بن عثيمين

 فهيا بنا لتسير قلوبنا وأعيننا علها تتعظ
  سفينة نوح عليه الصلاة والسلام
قال الله تعالى:((فأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)) 
((وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) القمر15
"ولقد تركناها آية" أي السفينة تركها الله عبرة للمعتبرين. الشوكاني 

عند بعض آيات الذكر المبارك سنقف ونتدبر ونحن نرى بقلوبنا تلك السفينة ومن كان بداخلها , وغرق الباقين المكذبين المشركين الآمنين لمكر الله تعالى :
(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ) (الأعراف:64)
وأغرقنا الكفار الذين كذبوا بحججنا الواضحة, إنهم كانوا عُمْيَ القلوب عن رؤية الحق.  التفسير الميسر
51_ron_ark02.jpg
ولا تزال سنن الله تعالى في الأرض تتوالى , ولايزال المكذبون بآيات الله الواضحات في كل مكان , ولايزال الشرك بالله يعم أنحاء الأرض, ولاتزال آيات الكتاب العظيم تذكر الناس بتحقيق التوحيد حتى لا يصيبهم ماأصاب الأقوام السابقة, فهذا القرآن لم ينزل وهذه القصص لم تذكر إلا للتذكير والعظة والتحذير مما وقع فيه الأقوام الماضية , حتى لا يصيبهم ماأصابهم .
 قال ابن عباس عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد. 
(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ * إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) (المؤمنون:28/30)
فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، وهذا تعليم منه له ولمن معه، أن يقولوا هذا شكرا له وحمدا على نجاتهم من القوم الظالمين في عملهم وعذابهم.  السعدي
{ إن في ذلك لآيات } أي المذكور من قصة نوح لدلائل على قدرة الله تعلمه ورحمته وحكمته ووجوب الإيمان به وتوحيده في عبادته. وقوله: { وإن كنا لمبتلين } أي مختبرين عبادنا بالخير والشر ليرى الكافر من المؤمن، والمطيع من العاصي ويتم الجزاء حسب ذلك بإظهار للعدالة الإلهية والرحمة الربانية.  الجزائر
 ** قوم لوط عليه السلام , قرية سدوم تحت البحر الميت
((وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) العنكبوت35
هذا العذاب استأصلهم، وقضى عليهم، وجعلهم عبرة لكل عاقل متأمل وآية في الكون لكل عابر بها، كما قال سبحانه:{ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ }[الصافات: 137] إذن: فالعبرة باقية بأهل سَدُوم كلما مر الناس بقُراهم.لذلك قال الله عنها { آيَةً بَيِّنَةً } [العنكبوت: 35] الآية: الشيء العجيب الذي يدعو للتأمل { بَيِّنَةً... } واضحة كدليل باقٍ، وظاهر لا يخفى على أحد { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يعني: يبحثون ويتأملون بسبب ما حاق بهذه القرى، وما نزل بها من عذاب الله.   الشعراوي
هل زرت البحر الميت من قبل ؟ شاهد مالم تشاهده هناك
** مدائن شعيب وصالح عليهما الصلاة والسلام
{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ* وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ }العنكبوت38
مدائن قوم شعيب عليه الصلاة والسلام
هاهي خاوية على عروشها, أين المطففين في الميزان.. أين المستهزئين..؟؟!!
"وقد تبين لكم من مساكنهم" أي وقد ظهر لكم يا معاشر الكفار من مساكنهم بالحجر والأحقاف آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها.  الشوكاني
مدائن قوم صالح عليه الصلاة والسلام
أين اللذين من قوتهم نحتوا الجبال قصورا.. أين هم .. أين التسعة اللذين قتلوا ناقةالله ...؟؟!!

 لاتزال مساكنهم إلى قيام الساعة تبعث في القلب الرعب والعظة والعبرة والبكاء, وهاهي الصخرة التي خرجت منها أعظم آية لهم (ناقة الله) ستشهد على أفعالهم يوم ينطق كل شيء .. ياااالها من عبر لمن له قلب مصدقٌ معتبر   

وهاهي مساكن عاد بالأحقاف قوم هود عليه الصلاة والسلام
تحرك البكاء في القلب  
وهذه إرم ذات العماد التي لم يخلق الله تعالى مثلها في البلاد كلها  
توحي بالرعب لشدة مانزل بها من عذاب لمعصيتهم نبيهم هود عليه السلام  

بيوت قوم عاد 194855.png 
رفات قوم عاد من كانوا أشد الناس قوة وبطشا

** ولنا في قصة فرعــــون معتبرا عظيييما
قال تعالى: (( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَاتِنَا لَغَافِلُونَ))
(لتكون لمن خلفك آية) ، يقول : لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك ، فينزجرون عن معصية الله ، والكفر به والسعي في أرضه بالفساد.  الطبري
هاهو من ملكه الله تعالى أرض مصر, من كانت تجري الأنهار تحت قصوره, من تكبر وتجبر وطغا وكذب وعصى, من قال : أنا ربكم الأعلى .. يااااله من مصير  
.. لايزال إلى قيام الساعة وقومه يعرضون على جهنم بكرة وعشيا.
الحكمة من ذكر القصص في كتاب الله المبارك 
1 - بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته القصص القرآنية؛ لقوله تعالى:
((وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ)) (القمر:4) )
((حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)) (القمر:5)2 - بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين .
3 - بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين.
4 - تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين له.
5 - ترغيب المؤمنين في الإِيمان بالثبات عليه والازدياد منه، إذ علموا نجاة المؤمنين السابقين
6 - تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم.
 7ـ إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عزوجل.   بن عثيمين.
ووالله أعلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.